صديق الحسيني القنوجي البخاري

535

فتح البيان في مقاصد القرآن

القراءة على الأموات ننقله من المنار « 1 » وغيره ، وبناء عليه نقول : قال ابن القيم : وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله : « لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه » « 2 » ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر ، والأول أظهر لوجوه : أحدها : أنه نظير قوله : « لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه » . الثاني : انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله : يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [ يس : 26 ، 27 ] فيستبشر الروح بذلك فيحب لقاء اللّه فيحب اللّه لقاءه . الثالث : إن هذا عمل الناس وعادتهم قديما وحديثا يقرأون يس عند المحتضر . الرابع : أن الصحابة لم يكونوا يقرأونها عند القبور ولو فهموا من قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « اقرأوا يس عند موتاكم » قراءتها عند القبر لما أخلوا به ، وكان ذلك أمرا معتادا مشهورا بينهم . الخامس : أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود ، وأما قراءتها عند قبره لا يثاب على ذلك لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل ، وقد انقطع عمل الميت . . ا ه . وكتب صاحب المنار رحمه اللّه في آخر سورة الأنعام استدراكا على تفسير قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] بدأه بتمهيد مهم ثم قال : أقول هذا تمهيدا لتذكيرك بعدم الاغترار بما لعلك اطلعت أو تطلع عليه من الوجوه التي حمل عليها بعض المتفقهة والمصنفين في تفسير قوله تعالى في سورة النجم : أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 38 ، 39 ] فحرفوا الكلم عن مواضعه تارة بالتأويلات السخيفة ، وتارة بدعوى النسخ الباطلة ، وتارة بدعوى أن هاتين الآيتين من شريعة إبراهيم وموسى لا من شرعنا ، وتارة بتخصيصها بالكفار دون المسلمين . وقد غفل هؤلاء عن كون مضمون الآيتين من قواعد الدين وأصول الإسلام ، الثابتة على ألسنة جميع الرسل ومؤيدا بآيات كثيرة بلفظها ومعناها كآية : وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [ فاطر : 18 ] وغيرها مما يعلق الفلاح والخسر بالأعمال . أما هؤلاء المقلدون من المتأخرين فسبب غفلهم وتأويلهم أنهم يحاولون

--> ( 1 ) تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه اللّه . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنائز حديث 1 ، 2 ، وأبو داود في الجنائز باب 16 ، والترمذي في الجنائز باب 7 ، والنسائي في الجنائز باب 4 ، وابن ماجة في الجنائز باب 3 ، وأحمد في المسند 3 / 3 .